أبي حيان الأندلسي

289

تفسير البحر المحيط

على يشفع إليه . وقيل : الحال أقوى لأنه إذا لم يشفع من هو عنده وقريب منه ، فشفاعة غيره أبعد ، و : بإذنه ، متعلق : بيشفع ، والباء للمصاحبة ، وهي التي يعبر عنها بالحال ، أي : لا أحد يشفع عنده إلاَّ مأذوناً له . * ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ) * الضمير يعود على : ما وهم الخلق ، وغلب من يعقل ، وقيل : الضميران في : أيديهم وخلفهم ، عائدان على كل من يعقل ممن تضمنه قوله : * ( لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ ) * قاله ابن عطية ، وججّوز ابن عطية أن يعود على ما دل عليه : من ذا ، من الملائكة والأنبياء . وقيل : على الملائكة ، قاله مقاتل ، و : ما بين أيديهم ، أمر الآخرة ، و : ما خلفهم ، أمر الدنيا . قاله ابن عباس ، وقتادة ، أو العكس قاله مجاهد ، وابن جريح ، والحكم بن عتبة ، والسدّي وأشياخه . و : ما بين أيديهم ، هو ما قبل خلقهم ، و : ما خلفهم ، هو ما بعد خلقهم ، أو : ما بين أيديهم ، ما أظهروه ، و : ما خلفهم ، ما كتموه . قاله الماوردي ، أو : ما بين أيديهم ، من السماء إلى الأرض ، و : ما خلفهم ، ما في السماوات . أو : ما بين أيديهم ، الحاضر من أفعالهم وأحوالهم ، و : ما خلفهم ، ما سيكون . أو : عكسه ، ذكر هذين القولين تاج القرّاء في تفسيره . أو : ما بين أيدي الملائكة من أمر الشفاعة ، وما خلفهم من أمر الدنيا أو بالعكس قاله مجاهد . أو ما فعلوه وما هم فاعلوه ، قاله مقاتل . والذي يظهر أن هذا كناية عن إحاطة علمه تعالى بسائر المخلوقات من جميع الجهات وكنى بهاتين الجهتين عن سائر جهات من أحاط علمه به ، كما تقول : ضرب زيد الظهر والبطن ، وأنت تعني بذلك جميع جسده ، واستعيرت الجهات لأحوال المعلومات ، فالمعنى أنه تعالى عالم بسائر أحوال المخلوقات ، لا يعزب عنه شيء ، فلا يراد بما بين الأيدي ولا بما خلفهم شيء معين . كما ذهبوا إليه . * ( وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ ) * الإحاطة تقتضي الحفوف بالشيء من جميع جهاته ، والاشتمال عليه ، والعلم هنا المعلوم لأن علم الله الذي هو صفة ذاته لا يتبعض ، كما جاء في حديث موسى والخضر : ما نقص علمي وعلمك من علمه إلاَّ كما نقص هذا العصفور من هذا البحر ، والاستثناء يدل على أن المراد بالعلم المعلومات ، وقالوا : اللهم اغفر علمك فينا ، أي معلومك ، والمعنى : لا يعلمون من الغيب الذي هو معلوم الله شيئاً إلاَّ ما شاء أن يُعلمهم ، قاله الكلبي . وقال الزجاج : إبلا بما أنبأ به الأنبياء تثبيتاً لنبوتّهم . و : بشيء وبما شاء ، متعلقان : بيحيطون ، وصار تعلق حرفي جر من جنس واحد بعامل واحد لأن ذلك على طريق البدل ، نحو قولك : لا أمر بأحد إلاَّ بزيد ، والأولى أن تقدر مفعول شاء أن يحيطوا به ، لدلالة قوله : ولا يحيطون على ذلك . * ( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ ) * قرأ الجمهور وسع بكسر السين ، وقرئ شاذا بسكونها ، وقرئ أيضاً شاذا وسع بسكونها وضم العين ، والسماوات والأرض بالرفع مبتدأ ، وخبراً ، والكرسي : جسم عظيم يسع السماوات والأرض ، فقيل : هو نفس العرش ، قاله الحسن . وقال غيره : دون العرش وفوق السماء السابعة ، وقيل : تحت الأرض كالعرش فوق السماء ، عن السدّي وقيل : الكرسي موضع قدمي الروح الأعظم ، أو : ملك آخر عظيم القدر . وقيل : السلطان والقدرة ، والعرب تسمى أصل كل شيء الكرسي ، وسمي الملك بالكرسي لأن الملك في حال حكمه وأمره ونهيه يجلس عليه فسمي باسم مكانه على سبيل المجاز . قال الشاعر : * قد علم القدّوس مولى القدس * أن أبا العباس أولى نفس *